الشيخ محمد رشيد رضا
476
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وبرضاك من سخطك ، ومالي الا أن أسألك وأتضرع إليك وأبتهل بين يديك فأقول اشرح لي صدري لاعرفك ، وأحلل عقدة من لساني لاثني عليك ، فنودي من وراء الحجاب : إياك أن تطمع في الثناء ، وتزيد على سيد الأنبياء ، بل ارجع اليه فما آتاك فخذه وما نهاك عنه فانته عنه ، وما قاله فقله ، فإنه ما زاد في هذه الحضرة على أن قال « سبحانك لا أحصى ثناء عليك كما أثنيت على نفسك » فقال إلهي ان لم يكن للسان جراءة على الثناء عليك ، فهل للقلب مطمع في معرفتك ؟ فنودي إياك ان تتخطى رقاب الصديقين فارجع إلى الصدق الأكبر فاقتد به فان أصحاب سيد الأنبياء كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، « 1 » أما سمعته يقول : العجز عن درك الادراك إدراك « 2 » . فيكفك نصيبا من حضرتنا ، ان تعرف انك محروم عن حضرتنا ، عاجز عن ملاحظة جمالنا وجلالنا » اه المراد منه ولا ندري لم وقف أبو حامد هنا عند صفة القدرة الإلهية ولم يتم تطبيق المثل ، ومن المعلوم المقرر عند أهل العلم الإلهي من المتكلمين والصوفية وكذا الفلاسفة ان قدرة اللّه تعالى انما تجري بما خصصته ارادته واقتضته مشيئته ، وان تخصيص الإرادة للممكن ببعض ما يجوز عليه دون بعض انما يكون بحسب العلم والحكمة . والعلم بوجوه المصالح والمفاسد والنظام والخلل والكمال والنقص وغير ذلك من الأمور المتقابلة إذا كان تاما كاملا يترتب عليه من الاعمال الإرادية ما هو عين الحكمة ، فلو أن السائل سأل الإرادة الإلهية عما تجري به القدرة بتخصيصها في عالم التكوين لاجابته بلسان الآيات البينات ، بأن ذلك هو ما اقتضاه العلم الإلهي المحيط بالغيب والشهادة فهو عين الحكمة وغاية النظام ، ليس فيه خلل ولا جزاف ، ولا هو بالامر الانف « 3 » الذي يكون بمحض الاستبداد ، ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ) وكتابة مقادير الخلق التي أرشدت إليها الآية التي نحن بصدد تفسيرها تثبت هذا ، وكلما اتسع علم الانسان بالنظام والقدر الإلهي في هذا الكون رسخ ايمانه بذلك وقلت حيرته .
--> ( 1 ) يشير إلى ما رواه عبد بن حميد من حديث ابن عمر « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديثم اهتديتم » ورواه غيره عن أبي هريره وأسانيده ضعيفة قال أحمد لا يصح وقال البزار منكر ( 2 ) هذه العبارة مأثورة عن أبي بكر « رض » ولا اذكر من رواها عنه وقد قال بمعناها أشهر فلاسفة هذا العصر كسبنسر وغيره ( 3 ) الانف بضمتين الجديد المبتدأ وهو شعار منكري القدر القائلين بأنه تعالى يخلق بغير تقدير سابق